مساهمة – حسين آيت أحمد.. رجل دولة عارض “سلطة الدبابة”

0
452

أربع سنوات تمر على وفاته، قال عنه الدكتور سعيد شيبان في أربعينيته بقصر الثقافة بالعاصمة، إن “حسين آيت أحمد كان من المناضلين القلائل الذي بقي وفيا لقسم حزب الشعب الجزائري إلى أن لقي ربه”، والقسم الذي أداه آيت أحمد كان الاستقلال أحد كلماته المركزية، وهو يختصر جيدا الفرق بين قسم رجال السلطة الذين يفعلون كل شيء من أجل الوصول للسلطة والبقاء فيها ورجال دولة يضعون الأخلاقيات السياسية في قلب الممارسة السياسية.

جاهد حسين آيت أحمد من أجل استقلال الجزائر وكان من التاريخيين المؤسسين للثورة من مؤتمر زدين سنة1948 إلى المنظمة الخاصة إلى دبلوماسية الثورة وروح باندونغ سنة 1955وسجون الاستعمار، ووقف منذ البداية ضد منطق الزمر والعصب والعصبيات داخل الحركة الوطنية وبعد الاستقلال.

ناضل أكثر من نصف قرن ضد خصخصة الدولة وشخصنتها بين جماعات وشبكات صغيرة، ولهذا كان يقول إن الاستقلال تمت مصادرته، وهو ما يقوله منذ فيفري الماضي ملايين الأحرار والحرائر وهم يرددون “الشعب يريد الاستقلال”، أي استعادة هذا الاستقلال المصادر.

مسار في “البحث عن التوافق”

هذا العنوان السياسي لمسار حسين آيت أحمد، بقي عصيا على الفهم حتى لدى بعض إطارات حزبه الذين استخدم الكثير منهم مساره كقميص عثمان للتموقع السياسوي الانتخابوي أو في حملات تسويق ذواتهم، أو في استراتيجيات التحول إلى قادة محليين، كما أن الكثير ممن دخلوا في معارك تنظيمية للانقلاب على خطه السياسي قبل وبعد وفاته، كان الكثير منهم ممن رفضوا فكرة أرضية العقد الوطني في روما سنة 95، لأن الكثير منهم لا يفرقون بين السياسة والايديولوجيا، وبين التموقع السياسي والدوغماتية الأيديولوجية، وبين الوصول للسلطة وبناء الدولة، وبين معارضة السلطة ومعاداة الدولة، وبين منطق الحزب وألاعيب الجهاز، وبين سلطة الأشخاص وسيادة الأفكار.

آيت أحمد ومنذ استقالته من المجلس التأسيسي غداة الاستقلال، بعد بروز إرادة استحواذ واضحة على السلطة من قبل قيادات جيش الحدود، وبالرغم من اعتقاله، حاول إيجاد توافق سياسي مع الحزب ووصل إلى توافق أجهضه إنقلاب 19جوان 65، وبالرغم من السجن وحكم الإعدام من قضاء الأوامر، وحملات التخوين والتشويه، لم يبحث آيت أحمد عن الانتقام لشخصه، بل واصل نضاله من المنفى، وواصل دراسته وحصل على دكتوراه في القانون والعلوم السياسية حول الميثاق الإفريقي لحقوق الانسان في الثمانينيات من القرن الماضي، وواصل في نهج التوافق ليوقع مع أحمد بن بلة ميثاق لندن سنة 1985.. هذا الميثاق الذي لعب فيه المعارض علي مسيلي دورا أساسيا بعدما نجح في تقريب وجهات النظر بين إطارات حزبي الأفافاس والأمديا، قبل أن يذهب ضحية اغتيال في قلب باريس في أفريل 1987، هذا الاغتيال الذي بقي بآيت أحمد متأثرا كثيرا به وبقي وفيا للراحل إلى أن مات، وهو الذي كان يدافع عن كشف حقيقة الاغتيال الذي قال في كتاب مخصص للقضية أنه من تدبير المخابرات الجزائرية بالتواطئ مع المخابرات الفرنسية.

بعد التعددية، كانت السلطة بأجهزتها قد دفعت لتأسيس بعض الأجهزة الحزبية، والهدف كان واضحا الدفع نحو التطرف الهوياتي والديني والعلماني، لتفادي أي انتقال ديمقراطي، وتم الانقلاب على انتخابات ديمسبر 91 التي فازت فيها أحزاب الفيس والأفافاس والأفالان، وخوفا من بناء أي توافق سارع خالد نزار والأجهزة الحزبية التي خسرت الانتخابات من كل التوجهات إلى مساندة المسار، الذي وصفه آيت أحمد بالانقلاب العسكري ضد الإرادة الشعبية.

هذه المواقف التي عبر عنها آيت أحمد، تبعتها حملات أمنية واسعة لتشويهه والضغط ضد شخصه وحزبه، ومناورات للانقلاب عليه داخل الحزب، والأمثلة في هذا كثيرة، وقد لعبت كل الصحف دورا أساسيا في تخوين الرجل واتهامه ودون أدنى حياء بالعمالة للخارج، وهي الحملة التي بلغت ذروتها بعد توقيعه إلى جانب كل وجوه المعارضة الفعلية لأرضية العقد الوطني في 13 جانفي 1995، وردت السلطة بكل أبواقها الحزبية والإعلامية والجمعياتية بتخوين الرجل وفرض اقتراع جاء بالجنرال زروال إلى السلطة، ولما بدأت حملة توزيع الأسلحة على المدنيين تحت شعار “يجب للخوف أن يغير موقعه”، حذّر آيت أحمد من ذلك ورد بخطاب قوي عنوانه “يجب للخوف أن يزول”.

مصالي الحاج، عبد الحميد مهري والدعوة للمصالحة التاريخية

لما قرر حسين آيت أحمد خوض غمار الانتخابات الرئاسية في أفريل 99، بقي على خط التوافق و الحوار، واتصل ببعض الشخصيات لأخذ رأيها فيما يتعلق بهذا الاقتراع، وكان من بين الذين التقاهم الراحل عبد الحميد مهري، الذي كان متوجسا من الانتخابات ومن صدق نوايا السلطة الفعلية لتنظيم انتخابات نزيهة ومفتوحة، حيث قال له “لا أعتقد أن الانتخابات ستكون مفتوحة، لكن من المهم أنت بالضبط أن تشارك فيها، لأن الشعب الجزائري تم حرمانه منك، وأنت من أكبر ضحايا التضليل والتشويه، لذلك مهم أن تشارك في الحملة ليعرفك الناس”.

آيت أحمد فهم رسالة مهري، ودخل الانتخابات باستراتيجية الدعوة لتوافق من أجل استخدام الانتخابات لبناء توافق تاريخي لبناء الدولة، وأتذكر وأنا في الصحافة أنني قمت بتغطية العديد من تجمعاته وخرجاته الميدانية، وكان في كل تجمعاته يوصل هذه الرسالة العميقة: “إنني لست هنا من أجل الدعاية لشخصي المتواضع، ولا لطلب الأصوات، أنا هنا لأخاطب أصحاب القرار، افتحوا المجال أمام الحريات، أمام المجتمع، أمام الشباب، أمام النساء، لا تخافوا من شعبكم، أنا هنا لأقول لكم تعالوا لبناء الدولة، لكن أحذركم من أي تزوير وأقول لكم إن طريق فرض بوتفليقة خطر على الجزائر”، هذه العبارات كان يرددها في كل مرة يبدأ فيها تجمعاته الشعبية، كما أنه في كل مرة يخرج في لقاءات جوارية، كخرجة باب الوادي بالعاصمة، كان الشباب يشكره فيها عن مواقفه الرافضة لسياسة الاستئصال ولمن كان يسميهم بكارتل الجنرالات، وكان آيت أحمد يرد بابتسامة عريضة “المهم لا يجب أن نعود للعنف والله يجعل العاقبة خير”.

العاقبة التي كان يتحدث عنها آيت أحمد كانت على علاقة بالأخبار التي بدأت تصله حول إرادة توفيق مدين والعربي بلخير وقيادات الجيش آنذاك لفرض بوتفليقة في قصر المرادية بالتزوير، وبدأ الرجل يفكر في كيفيات الرد حتى لا يقع في تزكية انتخابات مغلقة، فكان له ان طلب مقابلة مستعجلة مع الرئيس الجنرال زروال، لأنه هو من أعطى ضمانات النزاهة، لكن زروال تهرب من ذلك متحججا بمشاغله الكثيرة، وهو ما أدى بآيت أحمد للاتصال بباقي المترشحين وعلى رأسهم مولود حمروش وأحمد طالب الابراهيمي لتحضير الانسحاب من المهزلة الانتخابية، وفي وسط الطريق يصاب آيت أحمد بوعكة صحية كادت تودي بحياته، لتجري له عملية جراحية مستعجلة بالعيادة المتخصصة في أمراض القلب بالعاصمة، قبل أن ينتقل إلى سويسرا لمتابعة باقي الفحوصات عند طبيبه الإيراني بلوزان.

حسين آيت أحمد قبل وعكته تلك، كان يتنقل بين العديد من الولايات برا، وعندما زار تلمسان في نهاية مارس99، ذهب مباشرة إلى قبر الزعيم مصالي الحاج، وهي الزيارة التي كان يريد منها أن يطلق خطاب المصالحة التاريخية لبناء الدولة، وكان يعرف أنه هو بالذات ومن بقي من القادة تقع عليهم هذه المسؤولية السياسية والأخلاقية، حتى لا يتم توريث الخلافات والأحقاد إلى الأجيال، ولا يتحول الماضي إلى ألغام تفجر حلم بناء المستقبل، فقد أكد آنذاك وهو يقرأ الفاتحة على قبر مصالي الحاج، أنه خريج مدرسة “حزب الشعب” وبأن مصالي الحاج من الآباء المؤسسين للوطنية الجزائرية، وهذه الرسالة كانت قوية لكن الدوائر التي بنت نظام الاقصاء لم تفهمها، وعادت اليوم لتحرك حملة الشهادات من أجل التضليل لاستخدام الماضي لتلغيم المستقبل، رغم انها لم تكن فاعلة في الماضي المجيد وتجهل رهانات بقاء الدول في المستقبل القريب.

انتخابات 2002 والدفاع عن الوحدة الوطنية

بقي حسين آيت أحمد على مسار المعارضة لبناء التوافق، ولما اندلعت أحداث الربيع الأسود في أفريل 2001، دعا إلى التهدئة وإلى تحقيق مستقل في الأحداث، وهي استمرارية لمطالبته التحقيق في جرائم التسعينيات، كما لم يتردد في اتهام شبكات السلطة في استخدام سكان منطقة القبائل كورقة في صراعات العصب والزمر.

السلطة أخذت فكرة التحقيق وضمنت الإفلات من العقاب لكل المتسببين والمدبرين للأحداث، وعملت على تنظيم انهيار مبرمج للمنطقة، من خلال الدفع بتأسيس جهاز حزبي جديد مع شبكات الهادي ولد علي وعمارة بن يونس وخليدة مسعودي ورشيد عيسات.. وغيرها من الشبكات التي استخدمتها السلطة لاغراق المنطقة في مخطط الرشوة السياسية للقادة المحليين الذين كان الكثير منهم من شبكات الحركة الثقافية البربرية المتحالفة مع الأجهزة والصالونات.

حسين آيت أحمد وبعد مقاطعته للانتخابات التشريعية سنة 2002، دفع حزبه للمشاركة في الانتخابات المحلية، وأتذكر هذه اللحظة جيدا وأنا لازلت في عالم الصحافة، حيث انتقلت في نهاية أوت 2002 مع صديقي الصحفي الراحل علي باي بودوخة لاجراء حوار مع الراحل.

دخلنا سويسرا من الأراضي الفرنسية، وصلنا محطة القطار السريع لوزان في منتصف النهار، ووجدنا الراحل حسين آيت أحمد يفاجئنا ووهو ينتظرنا عند رصيف المحطة، أتذكر أنني كنت مع علي جد محرجين، لأننا نعرف أن الرجل بالرغم من تعافيه بقي تحت رقابة طبية، وهو في قامته ينتظر بكل تواضع صحفيين من جيلنا، وهنا بدأ علي بالحديث “لماذا أتعبت نفسك يا سي الحسين؟”، فكان رده “بالعكس أنا جد سعيد باستقبالكم باش نشم ريحة لبلاد”.

اتجهنا إلى مرأب السيارات، ركبنا سيارته المتواضعة، وبدأ آيت أحمد وهو يقود السيارة يسأل عن الوضع في الجزائر، كنا نعلم أن سي الحسين كان على علم بكل التفاصيل، لكن الرجل وعلى نقيض رجال السلطة يريد أن ينصت لما نقوله، بعد تبادل أطراف الحديث، طرح سؤالا وبدأ من مرآة السيارة يدعوني لأعرض نظرتي حول الانتخابات المحلية، أتذكر جيدا أنني قلت له ان الوضع جد صعب، وأن بعض الأطراف الفاشية التي تحرك حركة العروش قد تمارس العنف لمنع الانتخابات، لكن رأيي أن المشاركة في الانتخابات أقل ضررا لوحدة النسيج الاجتماعي بسبب أن السلطة تدفع لتعيين إداريين يقومون بتسيير البلديات.. في حين قال صديقنا علي إن “رضوان على حق لكن المخاطر على المناضلين وقيادات الحزب متعددة”.

هنا تدخل آيت أحمد وقال إن “رأيي من رأي أصغر واحد فينا – وهو يشير إلي – وبأن مخاطر العنف لابد من مواجهتها، لأن ذلك ضروريا للحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي ولمنع تسليم الجماعات المحلية للمافيا”.

وأتذكر أن هذا الحوار الذي أجريناه على فترات متعددة لنشره في جريدتي “اليوم” و”لوكوتيديان دران”، كان ممهدا لإلان الحزب المشاركة في الانتخابات، خاصة وأن القيادة التي كانت آنذاك تريد تغطية رمزية وفعلية من آيت أحمد تمكنها من الذهاب إلى الحملة الانتخابية لضمان الحماية الرمزية لها ولمناضلي القاعدة، ومباشرة بعد نشر الحوار وإعلان المشاركة خرج الشيخ الراحل عبد الرحمان شيبان رئيس جمعية العلماء ليثني على آيت أحمد ويصفه بأنه من قادة الأمة الجزائرية والإسلامية العظام وهذا في نص نشرته جريدة “الشروق اليومي”.

هذه الحادثة تذكرتها جيدا لأفهم اليوم كيف لرجال السلطة وموظفي السياسة قبول – في سابقة لم يشهد لها التاريخ مثيلا – فرض اقتراع رئاسي ترفضه غالبية الشعب، وتقبل أن لا تقوم بالحملة الانتخابية في ولايات منطقة القبائل، وكأن هذه المنطقة خارج جعرافيا الجزائر، وكيف يتم فرض رئيس يتحدث باسم كل الجزائريين في انتخابات قاطعتها الأغلبية ولم تسمع بها منطقة بأكملها.

هنا نفهم الفرق بين رجال السلطة ورجال الدولة، وبين رجل مات وهو يوصي بأن يدفنه الجزائريون والجزائريات في جنازة شعبية ووطنية، بعد رفضه الوصول إلى السلطة على ظهر الدبابة والمخاطرة بتفكيك الدولة، وبين من كان يحضر لنفسه جنازة رسمية لم يعرف لها التاريخ مثيلا، ونفهم يمكن للسلطة محاولة انقاذ نفسها على حساب مصالح الدولة.

حسين آيت أحمد فكرة، لذلك الكثير من الشباب الذين شاركوا في جنازته قالوا لم ندفنه لكن غرسناه، وغرس الأفكار هو الكفيل بالانتقال من منطق سياسة القوة إلى فكرة قوة السياسة، وهو الانتقال نحو الجزائر الجديدة، جزائر المؤسسات وسلطة القانون، فهل من منصت يا رجال السلطة؟!

* رضوان بوجمعة, أستاذ بكلية علوم الاعلام والاتصال بجامعة الجزائر 3

 

ترك رد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا